أحمد بن محمود السيواسي
241
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
وأجمعهم ورددت عليهم أملاكهم « 1 » . روي : أن يوسف كان لا يشبع من طعام في تلك الأيام ، فقيل له أتجوع وبيدك خزائن الأرض ؟ فقال : إن شبعت نسيت الجائع « 2 » . ثم قصد الناس مصر من كل ناحية وبلد يمتارون ، ووقع القحط في كنعان أكثر مما وقع في سائر البلاد من الشام ، فأرسل يعقوب بنيه إلى مصر للميرة فأمسك عنده بنيامين أخا يوسف لأمه ، وقال لهم : بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام ، فتجهزوا وسيروا لتشتروا منه الطعام ، فان الحاجة قد اشتدت علينا ، فأخذوا بضاعة من أبيهم فذهبوا إلى مصر ، فذلك قوله تعالى ( وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ ) وكانوا عشرة ( فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ ) يوسف بأول ما نظر إليهم ( وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) [ 58 ] أي لم يعرفوا يوسف لبعد عهدهم وذهابه عن قلوبهم وشدة جوعهم ، ولأنه كان على سرير الملك وعلى رأسه تاج الملوك وفي عنقه طوق من ذهب بخلاف ما كانوا رأوه في الصغر ، قال ابن عباس : « كان بين أن قذفوه في البئر وبين دخلوا عليه أربعون سنة ، فلذلك أنكروه » « 3 » ، فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية قال لهم يوسف : أخبروني من أنتم وما أمركم ؟ فاني أنكر شأنكم لتكلمهم بلسان غريب في مصر ، قالوا : نحن قوم رعاة من أهل الشام ، أصابنا الجهد فجئنا نمتار طعاما ، فقال : لعلكم جئتم عيونا تنظرون عورة بلادي ؟ قالوا : لا واللّه ما نحن بجواسيس ، وإنما نحن إخوة أب واحد شيخ صديق نبي من أنبياء اللّه تعالى ، قال : وكم أنتم ؟ قالوا : كنا اثني عشر ، فذهب واحد معنا إلى البرية فهلك فيها وكان أحبنا إلى أبينا ، فقال : فكم أنتم هنا ؟ قالوا : أحد عشر ، قال : فأين الآخر ؟ قالوا : عند أبينا ، لأنه أخو الذي هلك من أمه وأبونا يتسلى به ، قال : فمن يعلم أن قولكم حق ؟ قالوا : يا أيها الملك نحن في بلاد لا يعرفنا فيها أحد ، فقال يوسف : اتركوا بعضكم رهنا عندي وآتوني بأخيكم من أبيكم حتى أصدقكم فأنا أرضي بذلك ، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون ، فتركوه عنده ، وكان يوسف يحسن إليه « 4 » . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 59 ] وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 59 ) ( وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ ) أي أصلحهم بما يحتاجون إليه في السفر ، وقيل : حمل لكل رجل بعيرا بعدتهم على عادتهم في القحط « 5 » ( قالَ ) يوسف ( ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ) أي بنيامين ( أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ ) أي أتمه ولا أبخس الناس شيئا ( وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ) [ 59 ] أي أفضل من يضيف الضيف إذا نزل بي ، وقد كان أحسن إنزالهم وضيافتهم . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 60 إلى 61 ] فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ( 60 ) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ( 61 ) ( فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ ) أي بأخيكم من أبيكم ( فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي ) أي ليس لكم عندي طعام أكيله ، يعني تحرموا من الطعام ( وَلا تَقْرَبُونِ ) [ 60 ] يجوز أن يكون داخلا تحت الجزاء مجزوما بالعطف عليه ، ويجوز أن يكون مجزوما على النهي ، أي لا تقربوا داري وبلادي ، فاني لا أكرمكم ولا أنظر إليكم ( قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ ) أي سنجتهد بطلبه عن أبيه حتى ننزعه من يده ( وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ) [ 61 ] ما أمرتنا به . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 62 ] وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 62 ) ( وَقالَ ) يوسف ( لِفِتْيانِهِ ) بالألف والنون المكسورة ، جمع فتى جمع كثرة ، ولفتيته بالتاء « 6 » من غير ألف جمع قلة ، أي لغلمانه الكيالين ( اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ ) أي أثمان ما أخذوه ( فِي رِحالِهِمْ ) جمع رحل ، أي في أوعيتهم ،
--> ( 1 ) اختصره من البغوي ، 3 / 296 - 297 . ( 2 ) نقله عن البغوي ، 3 / 297 . ( 3 ) انظر البغوي ، 3 / 298 . ( 4 ) أخذه المفسر عن البغوي ، 3 / 298 . ( 5 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 3 / 299 . ( 6 ) « لفتيانه » : قرأ حفص والأخوان وخلف بألف بعد الياء ونون مكسورة بعد الألف ، والباقون بحذف الألف بعد الياء وبتاء مكسورة بعد الياء . البدور الزاهرة ، 165 .